"سنار " عاصمة السلطنة الزرقاء وهج ثقافي ينبعث من جديد
الثلاثاء 15 جمادى الثانية 1438 - 13:23 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 14-3-2017
الخرطوم (إينا) - جاء اختيار المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو) لمدينة سنار السودانية كعاصمة للثقافة الإسلامية ليوقظ ذكريات عظيمة وعميقة لدور حافل ومهم قامت به مدينة سنار عندما كانت عاصمة للسلطنة الزرقاء على مدى أكثر من ثلاثة قرون من الزمان.
فمنذ قيام السلطنة الزرقاء أو دولة الفونج أو الدولة السنارية كانت سنار منطلق الاشعاع الثقافي الذي تفاعل مع العالم المحيط تأثيراً وتأثراً.
فالدولة السنارية هي في حد ذاتها إعجاز في التكوين، ولا زال نموذجها طموحا يتطلع إليه كثير من القادة لتحقيق التوافق اللا مركزي القائم على التراضي، مما مكن لنهضة ثقافية ساهمت هي من جانبها في تماسك النسيج الاجتماعي السوداني، وهو تماسك لا زال قائما حتى اليوم، رغم مضي أكثر من قرنين على انهيار الدولية السنارية.
وتعود نشأة وقيام السلطنة الزرقاء إلى تحالف بين الفونج من مناطق النيل الأزرق بقيادة عمارة دنقس والعرب في وسط وشمال السودان بقيادة عبدالله جماع، إذ أرسى هذا التحالف قيام الدولة السنارية في عام 1504م ليمتد حتى عام 1821م ليشكل أكبر مملكة إسلامية بعد انهيار الوجود الإسلامي والعربي في الأندلس.
ونجحت الدولة السنارية في القضاء على ممالك مسيحية مثل مملكة علوة التي كانت تمتد من شمال السودان حتى أواسط الخرطوم وكانت عاصمتها  سوبا، ورسخ هذا النجاح من وجود إسلامي فرض ثقافته من خلال حكم لامركزي.
وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيه نتيجة لتزايد الوجود العربي، والتصاهر بين العرب والنوبة في الشمال. واهتم ملوك سنار بالعلم حيث أقاموا "رواق السنارية" في الأزهر بالقاهرة من أجل طلاب مملكة سنار المبتعثين إلى هناك، وشجعوا هجرة علماء الدين الإسلامي إلى السودان للدعوة ونشر العلم. وأنشأ أحد سلاطين مملكة سنار ويدعي بادي الأحمر وقفا بالمدينة المنورة لاستقبال الزوار من مملكته للإقامة هناك عند زيارتهم للأراضي المقدسة ولا يزال جزء من أوقاف السودان هناك، وانتشرت أيضا الخلاوي التي تعرف أيضا بـ"الكتاتيب" في السودان لتحفيظ القرآن الكريم وعلوم العربية والحساب.
 وقد تواصل السودان السناري مع المغرب العربي والمشرق، حيث زار السودان علماء وأئمة أجلاء ساهموا في النهضة الثقافية التي نحتفي في هذا العام بسنار عاصمة لها.
وبما أن السودان يحمل البعدين العربي والإفريقي فإن هذا  يكسب الاحتفال بسنار عاصمة للثقافة الإسلامية ميزة خاصة لا تتوفر في أي دولة أخرى من خلال السعي في هذه الاحتفالية لإبراز البعد القومي السوداني بجناحيه العربي والإفريقي.
 تجربة الحكم اللامركزي
تجربة الحكم اللا مركزي للدولة السنارية، والتي أشرنا إليه كطموح لا زال يتم التطلع إليه، تجربة فريدة وقد أشاد بها نائب الرئيس السوداني الفريق بكري حسن صالح في إحدى زياراته لولاية سنار، كما أن هناك ورش عمل عديدة تجري باشراف حكومة الخرطوم لإعادة العمل التام بهذه التجربة الفريدة التي كان السودان من أوائل من طبقها عبر السلطنة الزرقاء وعلى مدى أكثر من ثلاثمائة عامة متواصلة، وربما يتم تطبيق نتائج هذه التجربة في ظل نتائج توصيات الحوار الوطني باعتبار أن إشراك الشعب في الحكم من أفضل الوسائل للإستقرار السياسي المؤدي إلى الازدهار بكافة أوجهه اقتصاديا وثقافيا.
سنار والإختيار
اختيار مدينة سنار عاصمة للثقافة الإسلامية في 2017، جاء ارتكازا على مقرّرات المؤتمر الإسلامي السادس لوزراء الثقافة الذي انعقد  في باكو بجمهورية أذربيجان في أكتوبر من العام 2009، والذي تم فيه اعتماد لائحة عواصم الثقافة الإسلامية للفترة من 2015-2024. ومملكة سنار أو السلطنة الزرقاء أو الدولة السنارية، تعد نواة الدولة الإسلامية الأولى في السودان والتي امتد سلطانها ونفوذها لأكثر من ثلاثة قرون خلت.
وقد أكدت أكثر من 50 دولة مشاركتها في الاحتفال بمدينة سنار عاصمة للثقافة الإسلامية.
وتوجد في مدينة سنار العديد من الآثار مثل قصر السلطان والمسجد الكبير وحوش الحريم، والعديد من آثار المملكة القديمة لم تصمد نتيجة العوامل الطبيعية والمواد الهشة التي بنيت بها كالطين الأخضر، وبالأخص تشويهها وطمسها من قبل الاستعمار.
واشتهرت مملكة الفونج أيضًا بالقباب المطلية باللون الأبيض ذات التنوّع المذهل من الأشكال التي توضّح الأصالة والتفرد في البناء والارتباط الوثيق بالبيئة والمناخ.
سنار الآن
ربما يكون الإسم التاريخي لسنار وراء إبرازها كوحدة إدارية مستقلة تعرف الآن بولاية سنار، وتقع سنار في الحزام السوداني المطير في منطقة السافانا الغنية، وهي بذلك تتميز بصيف حار ممطر يبلغ معدل الحرارة فيه أعلى درجاته في شهر أبريل / نيسان ليسجل 41 درجة مئوية، وتهبط درجة الحرارة الدنيا إلى 17 درجة مئوية في شهر يناير / كانون الثاني. وتبدأ الأمطار في الهطول في شهر مارس / اذار لتتوقف في نوفمبر / تشرين الثاني مسجلة أعلى معدل لها في أغسطس 172 مليمتر فيما يبلغ المعدل السنوي السنوي 512 مليمتر.
يتركز السكان بالولاية حول ضفاف النيل الأزرق ونسبة قليلة حول مناطق الانتاج الزراعي وتعداد سكانها 1.400.000 نسمة. يتأثر توزيع السكان بالولاية بتوفير الخدمات الضرورية، هذا فضلاً عن أوجه النشاط الاقتصادي المتعددة الأخرى.
وتضم ولاية سنار سبع محليات هي: محلية سنار، محلية سنجة، محلية الدالي والمزموم، محلية السوكي، محلية شرق سنار، محلية  الدندر، محلية أبو حجار.
(انتهى)
الشامي الحبر عبدالوهاب
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي