الإثنين 27 صفر 1440 - 14:56 بتوقيت مكة المكرمة الموافق 5-11-2018
باكو (يونا) - كما اعتادت أن ترخي العاصمة الأذربيجانية باكو حبائل حبها لزائريها أحكمت هذه المرة حبائلها للمعمارية العراقية الراحلة زها حديد، وما أجمل أن يثمر الحب إبداعاً وفناً! تمثل في مركز حيدر علييف الثقافي، الذي بات معلماً للثقافة والفكر والعمارة ليس في أذربيجان وحدها وإنما في العالم كله، حازت عنه حديد جائزة متحف لندن للتصميم لعام 2014.

 يقع المركز في قلب العاصمة باكو على مساحة سبعة وخمسين ألف متر مربع وارتفاع 80 متراً، إنه تحفة معمارية يخاله الزائر راقصة باليه ترتدي ثوباً من الجليد الأبيض الناصع، أو آلة موسيقية شرقية تعزف لحناً حالماً، أو غادة يداعب شعرها النسيم، قالت عنه زها حديد عقب افتتاحه عام 2013 بعد قرابة 6 سنوات من العمل: هو آخر ما أنجزته، ما يجعله يختزل خبرة 30 سنة من الأبحاث كانت ثمرتها بناية مدنية ثقافية وملهمة في الوقت ذاته. بناية تتفاعل مع المدينة وتمنح الناس مكانا يتواصلون فيه، فالذين يتابعون أعمالي يعرفون أنها إبداع أماكن عامة يمكن للناس استعمالها بحرية، وتسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة، مهم بالنسبة لي، لأنها تربط كل شيء ببعض. أؤمن أيضا بأنه علينا الاستثمار في هذه الأماكن العامة سواء كانت فضاءات أو بنايات، لأنها عنصر حيوي لحياة مدينية غنية. في مدينة باكو، مثلا، تنساب المساحة الخارجية حول نفسها لتحديد سلسلة من الأماكن العامة بالداخل، وبذلك تُدخل النسيج المديني للعاصمة إلى كل جزء أو ركن في المركز. يمكنك اعتبار البناية منظرا طبيعيا، أو على الأصح منظرا هندسيا يلامس الأرض ويتمدد منها من دون أن يقف أي شيء في وجهه. بالداخل مثلا هناك أماكن مترابطة من دون أي شيء يعترضها، وهذه كانت الفكرة النظرية منذ البداية وجرى تنفيذها بنجاح.

يضم المركز مسرحاً وقاعة مؤتمرات تتسع لألف شخص، كما يضم متحف حيدر علييف الذي يحكي مسيرة الزعيم الأذربيجاني الراحل حيدر علييف وسيارته التي كان يستخدمها ومقتنياته متداخلة مع خرائط متنوعة لأذربيجان، كما يحكي المتحف قصة مزبحة كوجالي وجرائم الغزو الأرميني لإقليم ناجورونو كارباخ الأذربيجاني في الجنوب الغربي للبلاد الذي يمثل 20 % من مساحة أذربيجان.

كما يضم المركز متحفاً متنوعاً لقطع تراثية وأثرية تختصر تاريخ أذربيجان منذ العصور الأولى للإنسان في هذه البلاد مروراً بالعصر الحجري والبرونزي إلى هذا التعايش بين الأديان (اليهودية والمسيحية والإسلام)، كما يضم المتحف قطعاً نادرة من المنسوجات والملابس والسجاد الأذربيجاني الشهير بخيوطه الحريرية وألوانه البديعة ورسوماته الجميلة التي تحمل حكايات عمر هذه البلاد العريقة.

ويضم المتحف قاعة خاصة للآلات الموسيقية الراسخة في هذه البلاد بطريقة عرض جميلة بحيث يقف الزائر أمام كل آلة على قطعة بساط دائرية فيأتيه صوت الآلة ليتعرف عليها شكلاً وصوتاً، فتمتاز أذربيجان بغناها بالآلات الوترية مثل الجانج، والإكري، والنزهة، والرود والبريت، والوغور، والسنطور، والقانون والعود.

يذكر أن زُها حديد اللهيبي، معمارية عراقية بريطانية، وُلدت في بغداد 31 أكتوبر 1950 وتُوفيت في ميامي بالولايات المتحدة، 3 يوليو 2016 ، وقد ظلت تدرس في مدارس بغداد حتى انتهائها من دراستها الثانوية، وحصلت على شهادة الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأميركية في بيروت 1971، وتخرجت عام 1977 من الجمعية المعمارية بلندن، وعملت كمعيدة في كلية العمارة 1987، وانتظمت كأستاذة زائرة في عدة جامعات في دول أوروبا وبأمريكا منها هارفرد وشيكاغو وهامبورغ وأوهايو وكولومبيا ونيويورك وييل.  ونفذت 950 مشروعًا في 44 دولة. وتميزت أعمالها بالخيال، حيث إنها تضع تصميماتها في خطوط حرة سائبة لا تحددها خطوط أفقية أو رأسية. كما تميزت أيضًا بالمتانة، وتُعد مشاريع محطة إطفاء الحريق في ألمانيا عام 1993، مبنى متحف الفن الإيطالي في روما عام والأمريكي في سينسياتي، جسر أبو ظبي، ومركز لندن للرياضات البحرية، محطة الأنفاق في ستراسبورج، المركز العلمي في ولسبورج، محطة البواخر في سالرينو، ومركز للتزحلق على الجليد في إنسبروك، ومركز حيدر علييف الثقافي من أبرز المشاريع التي أوصلت حديد بجدارة إلى الساحة العالمية.

نالت حديد العديد من الجوائز الرفيعة والميداليات والألقاب الشرفية في فنون العمارة، وكانت من أوائل النساء اللواتي نلن جائزة بريتزكر في الهندسة المعمارية عام 2004، وهي تعادل في قيمتها جائزة نوبل في الهندسة؛ وجائزة ستيرلينج في منا سبتين؛ وحازت وسام الإمبراطورية البريطانية والوسام الإمبراطوري الياباني عام 2012. وحازت على الميدالية الذهبية الملكية ضمن جائزة ريبا للفنون الهندسية عام 2016، لتصبح أول امرأة تحظى بها.   
((انتهى))
حازم عبده/ ح ص
جميع الحقوق © محفوظة لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي